الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

47

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

يعمّ كلّ من يعرض عن الإيمان ، فيشمل المشركين المخبر عنهم ، ويشمل غيرهم من كلّ من يدعى إلى الإسلام فيعرض عنه ، مثل يهود المدينة والمنافقين وغيرهم . وبهذا العموم صارت الجملة تذييلا ، وصار الإتيان بالموصول جاريا على مقتضى الظاهر ، وليس هو من الإظهار في مقام الإضمار . [ 126 ] [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 126 ] وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ( 126 ) عطف على جملة : وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً [ الأنعام : 125 ] إلى آخرها ، لأنّ هذا تمثيل لحال هدي القرآن بالصّراط المستقيم الّذي لا يجهد متّبعه ، فهذا ضدّ لحال التّمثيل في قوله : كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ [ الأنعام : 125 ] . وتمثيل الإسلام بالصّراط المستقيم يتضمّن تمثيل المسلم بالسّالك صراطا مستقيما ، فيفيد توضيحا لقوله : يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ [ الأنعام : 125 ] . وعطفت هذه الجملة مع أنها بمنزلة بيان الجملة التي قبلها لتكون بالعطف مقصودة بالإخبار . وهو اقبال على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالخطاب . والإشارة ب هذا إلى حاضر في الذهن وهو دين الإسلام . والمناسبة قوله : يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ [ الأنعام : 125 ] . والصّراط حقيقته الطّريق ، وهو هنا مستعار للعمل الموصل إلى رضى اللّه تعالى . وإضافته إلى الربّ لتعظيم شأن المضاف ، فيعلم أنّه خير صراط . وإضافة الربّ إلى ضمير الرّسول تشريف للمضاف إليه ، وترضية للرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم بما في هذا السّنن من بقاء بعض النّاس غير متّبعين دينه . والمستقيم حقيقته السّالم من العوج ، وهو مستعار للصّواب لسلامته من الخطأ ، أي سنن اللّه الموافق للحكمة والّذي لا يتخلّف ولا يعطّله شيء . ويجوز أن تكون الإشارة إلى حاضر في الحسّ وهو القرآن ، لأنّه مسموع كقوله : وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ [ الأنعام : 92 ] ، فيكون الصّراط المستقيم مستعارا لما يبلّغ إلى المقصود النّافع ، كقوله : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [ الأنعام : 153 ] . ومستقيما حال من « صراط » مؤكّدة لمعنى إضافته إلى اللّه . وجملة : قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ استئناف وفذلكة لما تقدم . والمراد بالآيات آيات القرآن . ومن رشاقة لفظ الْآياتِ هنا أن فيه تورية بآيات الطريق التي يهتدي بها السائر . واللّام في : لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ للعلّة ، أي فصّلنا الآيات لأجلهم لأنّهم الّذين ينتفعون بتفصيلها . والمراد بالقوم المسلمون ، لأنّهم الّذين أفادتهم الآيات وتذكّروا بها .